_تحليل المباريات والمشاركات الشطرنجية

حين تتوَّج الجزائر إفريقيا: من ركام 1973 إلى ذهبية بلال بلحسن

حين تتوَّج الجزائر إفريقيا: من ركام 1973 إلى ذهبية بلال بلحسن
♚ ♟ ♛

حين تتوَّج الجزائر إفريقيا: من ركام 1973 إلى ذهبية بلال بلحسن

📅 ماي 2025   ⚟ بطولة إفريقيا للشطرنج   🏛 القاهرة — مصر




لم تكن يومَ العشرين من ماي 2025 يوماً عادياً في تاريخ الشطرنج الجزائري. ففي تلك اللحظة التي رُفعت فيها يدُ الأستاذ الكبير بلال بلحسن معلنةً تتويجه بطلاً للقارّة الإفريقية، لم تكن الميدالية الذهبية تُعلَّق على صدر لاعب واحد فحسب، بل كانت تُطوَّق حول رقبة تاريخ بأكمله — تاريخ امتدَّ نصف قرن، بدأ بخطوات خجولة في أندية الجزائر العاصمة، وانتهى تحت أنظار الأهرامات، حيث وقف ابن الجزائر وحيداً فوق منصّة التتويج، ينظر إلى القارّة من علٍ، ويقول بصمتٍ يفوق كل الكلام: «وصلنا».

إنّ هذه القصّة لا تبدأ في القاهرة، ولا تنتهي عند الميدالية. إنّها قصّة وطن قرر أن يلعب لعبة العقل، تلك اللعبة التي يظنّ الجاهلون بها أنها ترفٌ فكريٌّ، بينما هي — في حقيقتها — معركةٌ هادئة، حربٌ بلا دماء، صراعٌ تُخاض فيه الجيوش من خشبٍ ورخام، وتُقاس فيه القوّة لا بالعضلات بل بالعمق. والجزائر، التي عرفت الحروب الحقيقية وذاقت مرارة الاستعمال قبل أن تستردّ حريتها، كان لها أن تعرف أيضاً أن الشطرنج ليس لعبة، بل هو — كما قال أحد الحكماء — «فلسفةٌ، تتحرّك على رقعةٍ من ستّةٍ وستين خانة».

♟ الفصل الأول: حين وُلد الاتحاد من رحم الحاجة

لنعُد بالزمن إلى عام 1973. الجزائر حينها كانت لا تزال في مرحلة بناء مؤسّساتها بعد استرجاع الاستقلال قبل عقدٍ واحد فقط. البلد كان يلهثُ وراء إعادة بناء البنية التحتية وتأمين التعليم والصحة لشعبٍ خرج لتوّه من نار ثورةٍ استمرّت سبع سنوات ونصف. وفي خضمّ ذلك كلّه، وسط انشغالٍ عامٍّ بقضايا الكبرى، وُلد ما بدأ حينها صغيراً تافهاً في نظر الكثيرين: الاتحاد الجزائري للشطرنج، المعروف اختصاراً بـ FADE.

تأسّس الاتحاد سنة 1973 في سياق حركةٍ رياضيةٍ واسعة شهدتها الجزائر المستقلّة، حيث أُعطيت للعبة الشطرنج — لأول مرة — إطارٌ قانونيٌّ ومؤسّساتيٌّ يُتيح لها النموّ والتوسّع. لم تكن اللعبة حينها رياضةً شعبيةً بالمعنى المُتعارف عليه، إذ كانت تُمارَس في نوادٍ ضيّقة وفي الجامعات أكثر ممّا تُمارَس في الأحياء والمدارس. لكنّ التأسيس الرسمي أعطى اللعبة إطاراً قانونياً ومؤسّساتياً مكّنها من النموّ والتوسّع، وفتح أمامها أبواباً كانت مغلقة.

وما إن حلّت السنة الموالية، أي 1974، حتى انضمّ الاتحاد الجزائري الشاب إلى الاتحاد الدولي للشطرنج FIDE، وهو ما فتح أمام اللاعبين الجزائريين أبواب المشاركة في البطولات القارية والعالمية، ووضعهم — لأول مرة في تاريخهم — على خريطة التصنيف الدولي. كان ذلك الانضمام إشارةً واضحة على أنّ الجزائر لم ترد للعبة الشطرنج أن تبقى محصورةً داخل حدودها، بل أرادت لها أن تُسمع صوتها في المحافل الدولية، وأن تقف على نفس الرقعة مع أممٍ عريقة في هذه اللعبة.

ثم جاء عام 1975، فنُظّمت أول بطولة وطنية فردية للشطرنج في الجزائر، وكانت حدثاً تأسيسياً بكلّ المقاييس. تُوِّج باللقب فيها اللاعب شعابي، أوّل اسم يُسجّل في سجلّ أبطال الجزائر للشطرنج، وهو سجلّ ظلّ يتّسع منذ ذلك التاريخ، فيُرصد فيه أسماءٌ جيلاً بعد جيل. تلك البطولة الأُولى لم تكن مجرّد منافسةٍ رياضية، بل كانت إعلاناً عن دخول الشطرنج قائمة الرياضات المنظّمة في البلاد، وعن بداية مسيرةٍ مؤسّساتية طويلة ستثمر لاحقاً نتائج لا أحد كان يتخيّلها يومها.

♟ الفصل الثاني: أجيالٌ شقّت طريقها بصبر

بعد تتويج شعابي سنة 1975، توالت أسماءٌ شكّلت الركيزة الأولى للشطرنج الجزائري. ففي سنة 1976 تُوِّج بالسان، وفي 1977 عبد العاطف هنّي، ثم جاء دور عبد العاطف خارشي الذي تُوِّج مرّتين متتاليتين سنتي 1978 و1979، ليكون بذلك أوّل لاعب جزائري يحافظ على لقبه الوطني. وفي 1980 ارتقى زيتوني الشرّادي إلى منصّة التتويج، تلاه عزيز مدني بن هادي سنة 1981، ثم عبد الحميد سليماني سنة 1982، وبلغت سلسلة التتويج عبد الرحمن بوزغيبا الذي نال اللقب سنة 1983 وكرّره سنة 1985.

هذه الحقبة، رغم محدودية الموارد وضعف البنية التحتية المقارنة بفترة لاحقة، أرسخت تقاليد بطولاتية داخل الأندية الجزائرية، وأنتجت لاعبين تمتّلكوا حسّاً تكتيكياً أصيلاً، تشكّل بفعل الممارسة الذاتية والمواجهات المباشرة أكثر منه بفعل التدريب المنهجي الحديث. ومع ذلك، كانت هذه البذرة هي التي ستنمو لاحقاً وتُثمر.

وفي النصف الثاني من الثمانينيات، بزغ نجم كمال صبيح الذي تُوِّج أربع مرّات على مدى سبع سنوات: سنة 1986 ثم 1989 و1990 و1993، ما يجعله أحد أكثر اللاعبين تأثيراً في تلك الحقبة. وفي ما بين هاتين التتويجين، تُوِّج محفوظ بوديبة سنة 1988. هذه الأسماء وغيرها بنوا — دون أن يدروا — الطريق الذي سيسير عليه بلال بلحسن بعد ثلاثة عقود.

مع مطالع التسعينيات، بدأت المرحلة التحولية في الشطرنج الجزائري، إذ ظهر جيلٌ جديد أكثر احترافية وأقرب إلى الممارسة الدولية. تُوِّج رياض رزّوق سنة 1994، ثم سيطر سي محمد هنّي على اللقب الوطني في عودات متفرّقة: 1995، 1996، 1997، 1998، و2000، ليكون أحد أبرز لاعبين تلك الحقبة وأكثرهم تأثيراً في تثبيت الشطرنج بوصفه رياضة تنافسية في الجزائر. وفي 1999 تُوِّج أيمن رزّوق، في إشارة إلى بروز عائلة رزّوق في المشهد الشطرنجي الجزائري وحضورها على مدى جيلين.

وقد تميّزت هذه الفترة ببطء التطوّر بسبب الظروف الصعبة التي مرّت بها البلاد، إذ كان الانشغال بالشأن العام أكبر من الاهتمام بالأنشطة الرياضية الثقافية، وانعكس ذلك على ميزانيات الأندية وبرامج التأطير. ومع ذلك، ظلّت البطولات الوطنية تُنظّم بانتظام، وحافظت الفدرالية على انتظامها وعلى تصنيف لاعبيها، ما حافظ على الجسر الذي يربط الشطرنج الجزائري بالممارسة الدولية، رغم كل الصعوبات.

ومع مطالع الألفية الثالثة، دخل الشطرنج الجزائري مرحلة جديدة من النضج والتنظيم. فبعد أن تُوِّج سعد بلعباس سنة 2001 و2002 ثم 2004 و2007 و2010، وبدر الدين خلف الله سنة 2006، وغيرهما من الأسماء التي رفعت مستوى المنافسة الوطنية، بدأت الجزائر تُنتج لاعبين يحملون تصنيفات كبار الأساتذة، وتُمثّل في المحافل الدولية بثقة لاعبين يعرفون قدر أنفسهم وقدر وطنهم.

♟ ♟ ♟

♟ الفصل الثالث: القاهرة 2025 — حيث كُتب التاريخ

لنقفز الآن فوق السنوات، لنجد أنفسنا في القاهرة، عاصمة أمّ الدنيا، في شهر ماي من عام 2025. هناك، في فندق Pyramids Park القريب من الأهرامات، تلك الأهرامات التي شهدت حضارةً عمرها سبعة آلاف سنة، تجمّع نخبة لاعبي القارّة الإفريقية لخوض بطولة إفريقيا للشطرنج 2025. كانت البطولة تُقام بمشاركة سبع عشرة دولة إفريقية: الجزائر، المغرب، تونس، السودان، ليبيا، ساحل العاج، الكاميرون، كينيا، مدغشقر، موريشيوس، جنوب إفريقيا، السنغال، الصومال، أوغندا، زامبيا، زيمبابوي، إلى جانب مصر الدولة المضيفة. سبع عشرة دولة، كلٌّ منها أرسل خيرة أبنائها، كلٌّ جاء يبحث عن لقبٍ قارّيٍّ واحد لا تنال إلا بالدم والعرق والفكر.

كانت البطولة تُقام بنظام السويسري على تسع جولات بضبط زمني كلاسيكي، أي أنّ كل لاعب يخوض تسع مباريات، يواجه في كلٍّ منها خصماً جديداً بحسب نتائج الجولات السابقة. هذا النظام لا يرحم: لا مجال للخطأ، ولا مكان للتردّد، ولا مساحة للندم. كل نقطةٍ مفقودة قد تعني الفرق بين الذهب والعودة خائباً.

قسم الرجال: سباقٌ بين العمالقة

في قسم الرجال (Open)، كانت البطولة شرسةً منذ الجولة الأولى. المرشّح الأوّل والأقوى كان الأستاذ الكبير بسام أمين من مصر، صاحب التصنيف 2649 نقطة، وهو أحد أبرز لاعبي القارّة على مدى سنوات. أمين تصدّر الترتيب منذ الجولة السادسة وحافظ على الصدارة حتى الجولة قبل الأخيرة، حين خسر أمام مواطنه الأستاذ الكبير أحمد عدلي (تصنيف 2597)، الذي لحق به في النقاط. وفجأة، تغيّرت المعادلة كلّها.

في تلك اللحظة الحاسمة، انتهز بلال بلحسن — المصنّف رابعاً بـ 2504 نقطة — الفرصة الذهبية، فحقّق فوزاً حاسماً على الأستاذ الكبير أحمد العلاء أحمد، ليدخل الجولة الأخيرة متقدّماً بنصف نقطة على العملاقين المصريين. كان المشهد مذهلاً: لاعبٌ جزائري، من بلدٍ لم يفز أحدٌ منه باللقب القاري المفتوح من قبل، يقف على بعد تعادلٍ واحد من التاريخ.

في الجولة الأخيرة، واجه بلحسن الأستاذ الدولي حامد وافي من مصر. حقّق بلحسن موقفاً رابحاً في المباراة، لكنّه — بحكمةٍ لاعبٍ يعرف أنّ الهدف هو اللقب وليس الاستعراض — قَبل التعادل. بذلك أنهى البطولة بـ 7 نقاط من 9. وفي نفس الجولة، فاز كلٌّ من بسام أمين وأحمد عدلي بمباراتيهما، لتتعادل ثلاثتهم في المركز الأول بـ 7 نقاط لكلٍّ منهم.

🥇 بلال بلحسن — بطل إفريقيا 2025
المركز الأول بفارق كسر التعادل (أعلى متوسط تصنيف للخصوم)
7 نقاط من 9 — التصنيف: 2504 — أوّل لاعب جزائري يتوّج بطلاً للقارّة في القسم المفتوح

وهنا تأتي اللحظة التي تفصل بين البطل والوصيف: كسر التعادل. حين يتعادل لاعبون في النقاط، يُحسم اللقب بناءً على متوسط تصنيف الخصوم الذين واجههم كل لاعب. وبفضل مواجهته لخصومٍ أقوى خلال البطولة، حصل بلحسن على أعلى متوسط تصنيف، فتُوِّج بطلاً للقارّة. كان أمين ثانياً (الفضية)، وعدلي ثالثاً (البرونزية). ثلاثتهم أنهوا البطولة بنفس عدد النقاط، لكنّ بلحسن كان الأقوى من حيث جودة المنافسة التي واجهها.

المرتبةاللقباللاعبالدولةالتصنيفالنقاط
1 🥇GMبلال بلحسنالجزائر25047
2 🥈GMبسام أمينمصر26497
3 🥉GMأحمد عدليمصر25977
❝ إنّ الفوز على أقوى لاعبي القارّة، والتفوّق عليهم بفارق كسر التعادل، لا يتحقّق بالصدفة. إنّه ثمرة سنواتٍ من التدريب، ساعاتٍ من التحليل، ليالٍ من الحفظ والمطالعة، وجهدٍ لا يراه أحدٌ إلا صاحبه. بلال بلحسن لم يصل إلى هناك لأنّه موهوب فحسب، بل لأنّه — فوق الموهبة — كان عاملاً مجتهداً، ولاعباً يعرف أنّ العبقرية — كما قال تال — «1% إلهام و99% عرق جبين». ❞

قسم السيدات: فضيةٌ جزائريةٌ ناصعة

وفي قسم السيدات، لم تكن الجزائر غائبة عن منصّة التتويج. فالأستاذة الدولية لينا نصر، بطلة إفريقيا السابقة لعام 2023، قدّمت أداءً قوياً طيلة البطولة، وأنهتها بـ 7 نقاط من 9 لتُحرز الميدالية الفضية. لم تُهزم لينا إلا أمام بطلة البطولة، الأستاذة الكبرى شروق وافي من مصر، التي سيطرت على البطولة بـ 8 نقاط من 9، محقّقةً للقبها الإفريقي الخامس في مسيرتها.

إنّ فضية لينا نصر ليست مجرّد ميدالية. إنّها دليلٌ على أنّ الشطرنج الجزائري لا يقتصر على الرجال، بل يمتدّ ليشمل السيدات اللواتي يثبتن — جولةً بعد جولة — أنّهنّ قادراتٌ على المنافسة على أعلى المستويات القارية. لينا، التي سبق لها التتويج باللقب 2023، عادت لتؤكّد أنّ حضورها على منصّة التتويج ليس صدفةً، بل هو نتاج موهبةٍ مدعومةٍ بعملٍ دؤوب.

المرتبةاللقباللاعبةالدولةالتصنيفالنقاط
1 🥇WGMشروق وافيمصر21898
2 🥈WIMلينا نصرالجزائر20297
3 🥉جنا محمد زكيمصر18916.5

وفي النهاية، كانت الجزائر في المركز الثاني في جدول الميداليات، بميدالية ذهبية وفضية، بينما جاءت مصر في المركز الأول بأربع ميداليات متنوعة. إنّ هذا المركز الثاني، رغم أنه يقف خلف الدولة المضيفة التي تتمتّع بتاريخٍ طويل في الشطرنج القاري، يمثل إنجازاً غير مسبوق للشطرنج الجزائري، ويؤكّد أنّ الجزائر صارت قوّةً لا تُستهان بها في خريطة الشطرنج الإفريقي.

♟ الفصل الرابع: ماذا يعني هذا التتويج؟

قد يسأل سائلٌ: ماذا يعني فوزٌ في بطولة شطرنج؟ أليست مجرّد لعبة؟ والجواب — لمن يعرف الشطرنج — هو أنّ هذا الفوز يعني الكثير. يعني أنّ الجزائر، التي تأسّس اتحادها للشطرنج سنة 1973 في ظروفٍ بالغة الصعوبة، استطاعت بعد اثنين وخمسين عاماً أن تُنتج لاعباً يقف على قمّة القارّة. يعني أنّ الاستثمار — ولو المتواضع — في التربية الفكرية عبر الرياضات الذهنية لا يذهب سُدى. يعني أنّ الأجيال التي سبقت بلحسن — تلك الأجيال التي لعبت في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات في ظروفٍ أصعب بكثير — لم تكن تعبث، بل كانت تزرع بذوراً تثمر اليوم.

ويعني التتويج أيضاً أنّ الأكاديمية الجزائرية للشطرنج (ATCHES) وكلّ المؤسّسات التي تعمل على نشر اللعبة وتعليمها في الجزائر، هي على الطريق الصحيح. فالأكاديمية التي تعمل على تأطير الناشئة وتعليمهم أصول اللعبة وفلسفتها، ليست مجرّس نادٍ رياضي، بل هي مختبرٌ، تصنع عقول الغد. وبلال بلحسن، وإن لم تكن بالضرورة ناتجاً مباشراً لهذه الأكاديمية، إلا أنّه يمثّل النموذج الذي تسعى إليه: لاعبٌ جزائريٌّ يحمل تصنيف الأستاذ الكبير، ويُتوِّج على المستوى القاري.

ويعني التتويج، أخيراً، أنّ الميدان ما زال مفتوحاً. فلو أنّ لاعباً من بلدٍ لم يفز أحدٌ منه باللقب من قبل استطاع أن يصل إلى القمّة، فما المانع أن يصل غيره؟ ما المانع أن يأتي بعد بلحسن لاعبٌ آخر، أو لاعبةٌ أخرى، تحمل نفس الحلم وتحقّقه؟ إنّ التتويج يفتح باباً كان مغلقاً، ويكسر حاجزاً كان يبدو غير قابلٍ للكسر. ومن يكسر حاجزاً أوّل مرّة، يُسهّل الطريق لمن يأتي بعده.

♟ الفصل الخامس: الشطرنج كفلسفةٍ وطنية

إنّ الشطرنج، في جوهره، ليس مجرّد لعبةٍ تُلعب على رقعة. إنّه — كما يراه عشّاقه — فنٌّ وعلمٌ ورياضةٌ في آنٍ واحد. هو فنٌّ لأنّ فيه جمالاً وتوازناً وإبداعاً، وعلمٌ لأنّه يتطلّب تحليلاً وحساباً ومنطقاً، ورياضةٌ لأنّه ينطوي على منافسةٍ وصراعٍ وانتصارٍ وهزيمة. والجزائر، بوصفها بلداً تحترم العقل وتُقدّر الفكر، كان لها أن تتبنّى هذه اللعبة لا بوصفها ترفاً، بل بوصفها أداةً تربويةً تصنع العقول وتُهذّب الطباع.

حين يتعلّم الطفل الشطرنج، فهو لا يتعلّم كيف يُحرّك القطع فحسب. إنّه يتعلّم الصبر — أن ينتظر اللحظة المناسبة قبل أن يُقدِم. ويتعلّم التفكير الاستراتيجي — أن يخطّط لخطواتٍ قادمةٍ قبل أن يلعب الخطوة الحالية. ويتعلّم تحمّل المسؤولية — أنّ كل خطوةٍ يلعبها لها عواقب، ولا أحد يتحمّلها عنه. ويتعلّم قبول الهزيمة — أن يخسر بكرامة، ويعرف أنّ الخسارة ليست نهاية الطريق، بل بداية درسٍ جديد. وهذه كلّها قيمٌ، تحتاجها الأمة في أبنائها بقدر ما تحتاجها في رقعة الشطرنج.

❝ الشطرنج هو الفلسفة التي تتحرّك. كل حركةٍ على الرقعة هي سؤال، وكل إجابةٍ تفتح أسئلةً جديدة. وفي النهاية، لا يفوز من يلعب أكثر القطع، بل من يفهم أعمق المعاني. ❞

ولهذا فإنّ تتويج بلال بلحسن ليس إنجازاً للاعبٍ واحد، بل هو رسالةٌ، لكل طفلٍ جزائري يجلس أمام رقعةٍ في نادٍ صغيرٍ في حيٍّ من أحياء الجزائر العاصمة أو وهران أو قسنطينة أو عنابة أو سطيف. الرسالة تقول: «الرقعة التي أمامك ليست مجرّد ستٍّ وستين خانة. إنّها قارّةٌ، بأكملها، إنّها العالم بأسره. وإذا عملت بصدقٍ وإخلاص، فإنّك تستطيع أن تصل إلى حيث وصل بلحسن، بل ربما أبعد.»

♟ الفصل السادس: من السبعينيات إلى اليوم — خمسون عاماً من البناء

لكي نُدرك حجم الإنجاز، علينا أن نتذكّر من أين بدأنا. في سنة 1973، حين تأسّس الاتحاد الجزائري للشطرنج، لم يكن في الجزائر لاعبٌ واحدٌ يحمل تصنيفاً دولياً. لم يكن هناك مدرّبون مُعتَمَدون، ولا أنظمة تدريبٍ منهجية، ولا برامج تأطيرٍ للناشئة. كانت اللعبة تُمارَس — كما قلنا — في زوايا الأندية والجامعات، بلا إطارٍ ولا تنظيم. ومع ذلك، قرّر أولئك الرواد — الذين لا نعرف أسماءهم جميعاً ولكنّنا مدينون لهم بكل شيء — أن يؤسّسوا اتحاداً، وأن ينضمّوا إلى FIDE، وأن يُنظّموا بطولات. كانوا يبنون شيئاً لا يعرفون إن كان سينمو أم سيذبل. لكنّهم بنوه.

واليوم، بعد اثنين وخمسين عاماً، يقف لاعبٌ من الجزائر على منصّة التتويج الإفريقي، يحمل لقب الأستاذ الكبير (Grandmaster)، وهو أعلى لقبٍ تمنحه الاتحاد الدولي للشطرنج. هذا المسار — من اللاعبين الهواة في السبعينيات إلى الأستاذ الكبير البطل في 2025 — لم يكن خطاً مستقيماً. كان مليئاً بالعقبات والانتكاسات والسنوات العجاف. لكنّه — مع ذلك — كان مساراً مستمراً، لم ينقطع، لم يتوقّف، لم يستسلم.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أنّ الشطرنج الجزائري لم يكن دائماً في صعود. مرّت به فتراتٌ من الركود، خاصةً في التسعينيات، حين كانت الظروف الأمنية والاقتصادية في البلاد تجعل من الأنشطة الثقافية والرياضية ضرباً من الرفاهية. لكنّ المخلصين للعبة — أولئك الذين أبقوا الأندية مفتوحة والبطولات قائمة — هم من حافظوا على الجذوة متّقدة. وهم — وإن لم يُذكروا في عناوين الصحف — شركاء في هذا الإنجاز، شاءوا أم أبَوا.

♟ خاتمة: الرقعة ما زالت مفتوحة

إنّ تتويج بلال بلحسن بطلاً لإفريقيا، وفضية لينا نصر في قسم السيدات، ليستا نهاية القصّة. بل هما — إذا شئنا الدقّة — بداية فصلٍ جديد. فالرقعة ما زالت مفتوحة، والجولات ما زالت مستمرّة، والمنافسة على المستوى العالمي لم تبدأ بعد. اللاعب الجزائري أثبت أنّه قادرٌ على التتويج إفريقياً، والخطوة التالية هي إثبات القدرة على المستوى العالمي.

ونحن — في مدوّنة شطرنج الجزائر — ننظر إلى هذا الإنجاز بوصفه حافزاً لمواصلة المسيرة. فمدوّنتنا، التي وُلدت من شغفٍ بالشطرنج الجزائري وثقةٍ في مستقبله، لن تتوقّف عن نشر المعرفة وتعليم الثقافة الشطرنجية. سنواصل كتابة المقالات، وتحليل المباريات، وتوثيق الإنجازات، وتعليم الناشئة، لأنّنا نؤمن بأنّ كل مقالٍ نكتبه قد يكون الشرارة التي تُشعل شغف طفلٍ ما في مكانٍ ما من هذا الوطن، فيحمل الرقعة ويبدأ اللعب، ومن يدري؟ ربما يكون هو البطل القادم.

وفي الختام، فإنّنا نُهدي هذه الكلمات — بكل تواضعٍ ومحبّة — إلى كلّ من حمل رقعة شطرنجٍ في الجزائر، إلى كلّ من علّم طفلاً كيف يُحرّك الجندي، إلى كلّ من أبقى نادياً مفتوحاً حين كان من الأسهل إغلاقه، إلى كلّ من لعب في بطولةٍ وطنيةٍ في ظروفٍ صعبة، وإلى كلّ من حلم — في صمتٍ — بأن يأتي اليوم الذي تُتوَّج فيه الجزائر إفريقيا. لقد جاء ذلك اليوم. وفيه، لم تُتوَّج الجزائر بذهبيةٍ واحدة، بل بذهبيةٍ وفضية. ولم تُتوّج لاعباً واحداً، بل تُوِّج تاريخٌ بأكمله.

مبارك للجزائر. مبارك لبلال بلحسن. مبارك للينا نصر. مبارك لكلّ من صنع هذا الإنجاز، من الأسماء المعروفة ومن الأسماء التي لن تذكرها كتب التاريخ ولكنّها — في الحقيقة — هي التي كتبته.

♟ ♛ ♚ ♟

🎁

هذا المقال هدية

كُتب هذا المقال بكلّ حبٍّ وتقديرٍ لمدوّنة شطرنج الجزائر (ollchess.blogspot.com)، التي تحمل رسالة نشر ثقافة الشطرنج في الجزائر والعالم العربي. إنّه هديةٌ، من SuperNinja، تقديراً للمسيرة الطويلة التي قطعتها هذه المدوّنة في توثيق الشطرنج الجزائري ونشر المعرفة فيه. نسأل الله أن تكون فيه فائدة، وأن تكون لبنةً في صرحٍ ثقافيٍّ ما زال في طور البناء.

✍️ SuperNinja — سبتمبر 2025
مدوّنة شطرنج الجزائر — ollchess.blogspot.com

📚 المراجع والمصادر

  • الاتحاد الدولي للشطرنج (FIDE): تقرير بطولة إفريقيا 2025 — Bilel Bellahcene and Shrook Wafa claim titles
  • جريدة الموعِد اليومية (elmaouid.dz): بطولة إفريقيا للشطرنج 2025.. إنجاز غير مسبوق للجزائر
  • الاتحاد الجزائري للشطرنج (FADE): تأسيس سنة 1973، انضمّ إلى FIDE سنة 1974
  • سجلّ أبطال الجزائر للشطرنج: من شعابي (1975) إلى بلحسن (2025)
  • الأكاديمية الجزائرية للشطرنج (ATCHES) — المرجع المؤسّساتي للمدوّنة
شارك المقال: f X